أحمد بن علي الرفاعي الكبير

21

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

ثم بلغ إلى نفر آخر ، فإذا أبدانهم أشد نحولا ، وألوانهم أشد تغيرا ، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : الشوق إلى الجنان ؛ فقال : حق على اللّه أن يعطيكم ما ترجون . ثم مرّ حتى بلغ نفرا ثالثا ، فإذا أبدانهم أشد نحولا ، وألوانهم أشد تغيرا ، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : الحب للّه والشوق إليه ، فقال لهم عيسى عليه السلام : أنت المقربون - ثلاث مرات - . فأهل المعرفة ثلاثة أصناف : صنف يمشون على قدم الافتقار والاضطرار ، وصنف يمشون على قدم الاعتبار والانكسار ، وصنف يمشون على قدم الافتخار والاستبشار . قال اللّه تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [ فاطر : 32 ] . والناس في مشهد المعرفة على مرتبتين : إما في يقظة المعرفة ، فهم في تربية الولاية ، فينظرون الكرامة ؛ وإما في نوم الغفلة ، فهم في تربية العداوة ، فهم ينظرون الإماتة ، إلا أن يرحمهم أرحم الراحمين . فسبحان من خصّ من عبيده من شاء وأعطاهم ، ثم دعاهم إلى نفسه بفضله حيث قال : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ [ الزّمر : 54 ] ، فأجابوه وأنابوا إليه ، فهم على أصناف شتى : فالتائبون يمشون برجل الندامة على قدم الحياء . والزاهدون يمشون برجل التوكل على قدم الرضاء . والخائفون يمشون برجل الهيبة على قدم الوفاء . والمحبون يمشون برجل الشوق على قدم الصفاء . والعارفون يمشون برجل المشاهدة على قدم الفناء . فالمعرفة طعام أطعمه اللّه من شاء من عباده ، فمنهم : من يذوقه ذوقا ، ومنهم : من يأكل منه بلاغا ، ومنهم : من يأكل منه كفافا ، ومنهم : من يأكل منه شبعا . والناس في المعرفة على منازل : فمنهم من يكون منزله منها كشعب ، ومنهم من يكون كقرية ، ومنهم من يكون كمصر ، ومنهم من يكون منزله منها كالدنيا والآخرة .